(ذاكرتهم تاريخنا) .. روايات شفهية توثق تاريخ المجتمع الإماراتي الذي ساده التسامح

(ذاكرتهم تاريخنا) .. روايات شفهية توثق تاريخ المجتمع الإماراتي الذي ساده التسامح

(ذاكرتهم تاريخنا) .. روايات شفهية توثق تاريخ المجتمع الإماراتي الذي ساده التسامح

يحفل الكتاب بمعلومات موثقة تخصّ الماضي بأبعاده الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وتؤكد مضامينه بما فيها من قصص وشواهد أن المجتمع الإماراتي عُرِفَ بانتشار التسامح بين أفراده، وقد غرس بذور هذه الفضيلة القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه- وهو القائد الاستثنائي الذي عرف كيف يدير أحداث التاريخ وفق ما يخدم الإنسانية؛ محققاً تحولًا فارقًا ونقلة حضارية نوعية كبيرة في مجتمع دولة الإمارات في زمن قياسي، وبالنظر إلى منزلة الشيخ زايد ومكانته على مختلف الصعد فإن جميع الرواة والمعمرين الذين اشتمل الكتاب على مقابلات معهم قد تحدثوا عن لقاءاتهم بالشيخ زايد، أو عما عرفوه عنه – رحمه الله- وعن الأثر الطيب الذي تركه في النفوس والعقول، وفي تطور الإنسان والمكان. 
ويتميز كتاب (ذاكرتهم تاريخنا) برواياته الشفهية الموثقة المستمدة من ذاكرة شهود العصر والمخضرمين؛ لتعكس واقع الإنسان الإماراتي وتجربته، وتأثير التغيرات السياسية والاقتصادية عليه.
يوثق الكتاب ذكريات الناس وتفاصيل حياتهم اليومية، وإحساسهم وشعورهم، وعلاقاتهم الإنسانية، وأشعارهم ومعاناتهم، وهذه أمور غائبة تماماً عن السجلات التاريخية الرسمية، وتجهلها الأجيال الحالية.
بدأ الكتاب – وبترتيب أبجدي لتسلسل أسماء الرواة- فتناول ما ذكره الراوي أحمد حاضر محمد بن جاسم المريخي الذي يعرّف بنفسه وبعائلته وبعشيرته "المريخات"؛ وهي أولى العشائر العريقة التي سكنت جزيرة دلما، ويسرد الراوي من ذاكرته تفاصيل الزمان والمكان ليُطلِع القارئ على تضاريس جزيرة دلما وبيوتها، وسكانها وأعمالهم اليومية، ويخصص جزءاً من روايته للحديث عن مهنة الطواشة "تجارة بيع اللؤلؤ وشرائه" التي مارستها أسرته قروناً من الزمن، ويطوف المريخي في رحلة تشمل جزر الإمارات التي يذكرها التاريخ لدورها في سجلاته وذاكرة أبناء الوطن. ويركز المريخي بحديثه في فترة حكم الشيخ زايد – طيب الله ثراه- قبل قيام الدولة، ثم يقارن بين الحياة في الماضي والحياة في الحاضر؛ مشيراً إلى مساهمات الشيخ زايد في النهضة التي شهدتها البلاد وصولاً إلى وقتنا الحالي.
ولا يقتصر الكتاب على الرواة الرجال؛ إذ يلتقي ببعض السيدات اللواتي عاصرن مرحلة قبل قيام الاتحاد؛ مثل الراوية بخيته بنت قنون سعيد الفلاسي المرأة التي صقلتها أجواء البادية وتقاليدها السامية، وقد تحلّت الراوية بالاحترام الجم لوالدها الشاعر الشجاع، وبرعت في فنون الصيد في البراري بمختلف الأدوات التقليدية، والوسائل المعروفة، وقد تشربت مفاهيم البداوة وقيمها النبيلة. وتسرد الراوية من ذاكرتها جوانب من حياة المرأة وعملها إلى جانب الرجل في الفترة الحاسمة من تاريخ الوطن والأعوام التي سبقت قيام الدولة.
 كما يحتوي الكتاب على مقابلة مع الراوي" خميس راشد بن زعل الرميثي" الذي ولد في أبوظبي قبل أكثر من ثمانين عاماً، وعاش فيها، وقد تلقى نصائح والده وتوجيهاته بيقظة وحرص؛ فهو لم يدخل مدرسة قط لكنه ثابر على التعلم بنفسه حتى أجاد القراءة والكتابة، وتجويد القرآن الكريم. تحمّل الراوي المسؤولية مبكراً، واختزنت أعماقه الكثير من التفاصيل والروايات المحفوظة في سجل ذاكرته. كان –رحمه الله- يقرض الشعر، ويتحلى بإلقاء رخيم.
ويتحدث الراوي راشد سيف ربيع بالحايمة الظاهري عن قيم الصحراء وعن معارفه وعلاقته العميقة بالإبل، وقد عاش الراوي بين البادية والواحة، وتختزن ذاكرته الكثير من الأحداث والمواقف، والمشاهدات والتجارب، ويحتفظ في وجدانه بألعاب الطفولة والصبا، وهو ينحاز إلى أعراف الصحراء وتقاليد الضيافة في البادية، وفي حديثه يكشف عن خبرته الواسعة في تربية الأبل وترويضها ومعالجتها، ومعالجة الناس بموارد البيئة. امتلك مقويات الشجاعة، وعاش مسالماً، يحمل من الأمس ذكريات كثيرة، أجملها لقاؤه بالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه- وما حفل به ذلك اللقاء من أحاديث و أشعار.
ويورد كتاب" ذاكرتهم تاريخنا" مقابلة مع الراوي " سالم سعيد سالم الحساني" الذي تنوعت أعماله؛ فتنقل من الزراعة إلى البناء، ثم العسكرية التي صقلت مهارات الدقة والالتزام لديه. تحلى بالشجاعة وتخلى عن التردد فكان من رواد مظليي الإمارات وبذلك حجز له مكاناً في مرافقة الحكام والشيوخ، وفي مقابلته يسرد بعض ذكريات العمر السابقة، وتحدياته وفرصه، ومشقات الحياة والسفر، وبعضاً من تقاليد الحياة قديماً.
ويروي سالم بن عبدالله آل حميد الوحشي ذكرياته عن التعليم وهواية اقتناء الكتب التي وصلت بصاحبها إلى تكوين مكتبة عامرة، جعلها وقفاً لخدمة كل باحث وقارئ، وذلك في مبادرة منه لرد الجميل للدولة.
ويسرد الراوي سالم محمد بن كبينة الراشدي للقارئ ذكرياته مع البادية ورحلته التي استمرت سبع سنوات في مجاهل الصحراء المترامية الأطراف، والأخطار التي اعترضت طريقه. وقد برع في اقتفاء الأثر، والتزم ابن كبينة بالمهمة التي عهد إليه الشيخ زايد بها وهي مرافقة " ولفريد ثيسجر" أثناء عبوره صحراء الربع الخالي، والحفاظ على حياته، ولهذه الرحلة مردود إيجابي؛ إذ كتب عنها ثيسجر في كتابه "الرمال العربية".
ويسرد الراوي سعيد أحمد ناصر بن لوتاه ذكرياته في ميادين الثقافة والتجارة، وقد عرف بمبادراته العلمية والاقتصادية، وكانت له الريادة في تأسيس وإنشاء أول مصرف إسلامي في العالم، وأول مدرسة إسلامية، آمن بدور المرأة فأعدّ من أجلها البحوث لتبيان حقوقها وواجباتها.
ويورد الشيخ سلطان بن علي بن سيف الخاطري ذكرياته عن الحرب العالمية الثانية التي عاصرها طفلاُ، وعايش شظف العيش والشح، وهو ينصح بإدراج عادات السلوك في مناهج التعليم، وينظر إلى نِعمِ اليوم بعين الحمد والشكر لله، ثم لمؤسس الدولة الشيخ زايد الخير -طيب الله ثراه- وهو يفخر بقيم التواضع والتسامح التي يتحلى بها أبناء الشيخ زايد، وتأتي ذكرياته لتنقل المفهوم الحقيقي لحياة البادية وتفاصيلها الدقيقة.
ويحفل كتاب "ذاكرتهم تاريخنا" بمقابلة مع الشيخ مبارك بن قران راشد المنصوري الذي نشأ في البادية، وعايش مرحلة التنقل والترحال بين ربوع الصحراء، وعايش فترة الاكتفاء بالتمر واللبن في الغذاء، وشهد تحول البادية إلى الازدهار، وعاصر تعمير الصحراء، تَزعّم أفراد قبيلته، وكان صاحب الرأي والمشورة في شؤونهم الاجتماعية والاقتصادية، ويتحدث الشيخ مبارك بن قران عن الأثر الطيب الذي ظل في نفسه من أثر رفقة الشيخ زايد، فقد عاش قريباً منه نحو أربعين عاماً.
ويتحدث الشيخ مسلم سالم بن حم العامري عن الحوارات والعلاقات التي اتسمت بالإنسانية والحكمة والعدل بين الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ووالده سالم بن حم، الذي كان برفقة الشيخ زايد دوماً، فوصف الراوي هذه الرفقة بـ "الحظ الكبير" بالنسبة له؛ إذ اكتسب أصول العادات والتقاليد، وقيم البِر والاحترام ومبادئ الكرم، ومفاهيم الحكمة من مجالس الشيخ زايد، ويروي في المقابلة قصصاَ لم يُتح لكثيرين معرفتها.
ويقدم الكتاب لقرائه مقابلة مع الدكتورة عائشة علي أحمد بن سيار التي ولدت وعاشت في مدينة الشارقة، تتحدث في مقابلتها عن واقع التعليم وحملات محو الأمية، وعن التعليم الرسمي الذي بدأ في إمارة الشارقة عام 1952 وعن دراستها في جامعة عين شمس، وعن العمل النسائي، وعملها في ظل رعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، "أم الإمارات" رئيسة الاتحاد النسائي العام، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة.
ويروي عبيد راشد أحمد بن صندل آل علي ذكرياته حيث عاصر عقوداً من شظف العيش والتقشف، ثم عايش عصر الرخاء والنعيم الذي أضفاه الاتحاد بقيادة الباني والمؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
كان عبيد راشد أحمد بن صندل شغوفاً بحب الرياضة والفن والتراث، ونقله إلى الأجيال وتعريف باقي الشعوب به.
ويستعيد الراوي علي حسن سعيد بن الشيخ الرميثي ذكريات طفولته حين كرّس وقته للتعلّم، وعمل في مهن متعددة كالنجارة والجلافة، والحدادة وبناء البيوت التقليدية، وبرع في ابتكار أدوات دقيقة ومدهشة، وعمل في صناعة السفن، وعمل رباناً لسفن السفر، وجاب موانئ الخليج والهند وإفريقية، وأكسبته الحياة خبرة واسعة في عدة ميادين جعلت منه مستشاراً تراثياً في نادي تراث الإمارات، ويعدّ موسوعة مكتنزة بالحكايات والخبرات والمهارات حصيلة سنوات عمره المديد.
وفي ذكريات الراوي المرحوم مهنا بطي محمد هزيم بن صخير القبيسي يطلع القارئ على مراحل تاريخية واجتماعية مهمة لم تدوّنها السجلات.
وبالنظر إلى المعلومات الموثقة التي يتضمنها الكتاب فإنه يعدّ مصدراً تاريخياً يعتمد عليه الباحثون، وتكمن قوته وأهميته في الأوساط العلمية والأكاديمية لما فيه من معلومات تاريخية موثقة يستفيد منها الباحثون والجيل الجديد.    


الكتاب: ذاكرتهم تاريخنا
تأليف: مجموعة من الرواة والمعمرين
الناشر: الأرشيف الوطني، أبوظبي، 2018م، الطبعة الأولى، 438صفحة.