الأرشيف الوطني يستعرض تفاصيل التطور التاريخي للقضاء الإماراتي في أحدث إصداراته

الأرشيف الوطني يستعرض تفاصيل التطور التاريخي للقضاء الإماراتي في أحدث إصداراته

الأرشيف الوطني يستعرض تفاصيل التطور التاريخي للقضاء الإماراتي في أحدث إصداراته


شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة طفرة حضارية كبيرة في مختلف المجالات، وكان من هذه المجالات التشريعات القانونية؛ فقد أنجزت وزارة العدل في الدولة مئات القوانين منذ تأسيسها عام 1971م، وجميعها أحدثت ثورة تشريعية شاملة قننت جميع نواحي الحياة.
 ولما كان تاريخ القضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة هو في حد ذاته تأريخ للدولة منذ بدايتها فقد أصدر الأرشيف الوطني كتاب (التطور التاريخي للقضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة بين الأعراف القبلية والأنظمة الوضعية) لمؤلفه الدكتور راشد محمد عبيد رشود، وفيه يوثق تاريخ القضاء وتطوره بالاعتماد على الوثائق الموجودة في وزارة العدل، وعلى وثائق سجلات المحاكم المدنية والشرعية، ووثائق الأرشيف الوطني، والاتفاقيات التي عقدت بين حكومة دولة الإمارات وبين حكومات الدول الأخرى.
اهتمت دولة الإمارات منذ قيامها بالعدالة واستقلال القضاء، وعملت لتأكيد هذا المعنى عندما أعلنت في دستورها أن القضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في أداء واجبهم غير القانون وضمائرهم، والسلطة القضائية في دولة الإمارات العربية المتحدة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. 
ويشير الكتاب أن للقضاء في المجتمعات الإنسانية مكانة رفيعة ومرموقة، وكان لمن يقوم بهذا الدور التقدير والاحترام من كافة أفراد المجتمع، لدورهم الكبير في إعادة الحق إلى نصابه، في المجتمعات البشرية التي لا تخلو من الصراع بين الخير والشر والقوي والضعيف.
يتألف الكتاب من ستة فصول، وخاتمة، الفصل الأول هو بعنوان: (القضاء في الإسلام)، ويبحث في مراحل تطور القضاء واستقلاله، فبدأ بالقضاء في العهد النبوي ثم في عهد الخلفاء الراشدين، وصولاً إلى العصر الأموي فالعباسي. وتناول الفصل الثاني القضاء القبلي في الإمارات في فترة الوجود البريطاني (1946-1971) وهيكله، وأحكامه، وأهم رجاله، ثم ذكرت السلطة القضائية للمحاكم البريطانية في الإمارات وآثارها. ودار الفصل الثالث حول القضاء العرفي، وأشهر رجاله، ومصادره وإجراءاته، وأحكامه وخصائصه. وسلط الفصل الرابع الضوء على القضاء بعد الاتحاد، وما يتعلق بالقاضي وطريقة اختياره، وأعوانه من النائب العام، والمحامين والخبراء، والكتبة والمحضرين، والمحاكم، وما يتعلق بها من الدعاوي المختلفة. وتطرق الفصل الخامس إلى وزارة العدل في عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه- ومن تعاقب عليها، من الوزراء، وذكر أنشطتها، وما يلحق بها من دوائر وإدارات ومحاكم. ويورد الفصل السادس التشريعات والعلاقات والاتفاقيات القضائية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والدول العربية، وبعض الدول الأجنبية. وأُلحق بالدراسة كمٌ من الوثائق العربية والأجنبية.
ويعرّف الكتاب القضاء لغة واصطلاحاً، ويؤكد تعريف ابن عابدين له: "القضاء هو الفصل بين الناس في الخصومات – حسماً للتداعي وقطعاً للنزاع- بالأحكام الشرعية المنتقاة من الكتاب والسنة"، وأما الحكمة من القضاء فهو تحصيل مصالح ومنافع، ودفع مفاسد ومضار، ولذا نبه فقهاء الشريعة إلى المقصد الجليل والهدف النبيل من هذه الوظيفة السامية، وأنه مرتكز على إيصال الحقوق إلى أصحابها ودفع المظالم، وقطع التنازع؛ تحقيقاً لإقامة العدل والمعروف، ونبذ للظلم.
ويعتبر الكتاب أن التأريخ للقضاء في دبي هو تأريخ لدبي نفسها، ويذكر من القضاة في دبي الشيخ خميس، ذلك القاضي الفاضل الذي شدّ الرحال إلى الأحساء طلباً للعلم الشرعي فيها، ثم عاد قاضياً بين أهل دبي، وكان ذلك في عهد الشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي (1884- 1906) وتولى القضاء بعده الشيخ حسن الخزرجي الذي كان يقضي بين الخصوم في بيته في منطقة الراس بديرة، وبعد وفاته تولى القضاء شيخ وفد على دبي من المغرب العربي هو محمد بن عبد السلام المغربي، وهكذا يتوالى القضاة الذين كانوا يجلسون في بيوتهم إلى أن جاءت فترة باشروا القضاء فيها في المدرسة الأحمدية، وظلّ الأمر كذلك إلى أن أسند حاكم البلاد الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم أمر الفصل في المنازعات بين الناس إلى أخيه الشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم عام 1938م؛ فجلس لذلك في دكان بسوق العرصة في ديرة، فكان الناس قبل الذهاب إلى القاضي يأتون إليه للنظر في شكاواهم بغرض المصالحة والتسوية بينهم فيما اختلفوا فيه، فإذا تعذّر ذلك أحالهم إلى القاضي، واستمر الحال كذلك إلى أن أُسندت رئاسة القضاء إلى الشيخ محمد بن حشر بن مكتوم آل مكتوم عام 1956م، وسُمي حينذاك ناظراً للقضاء، ثم انتقل القضاء إلى مبنى للمحكمة في بيت مستأجر في منطقة الراس، وفي عام 1958 اتُخِذ حصن نايف مقراً للقضاء في دبي، واستمر الأمر على ذلك حتى نهاية 1979م.
ويورد الكتاب أسماء أهم رجال القضاء القبلي القديم في الإمارات في فترة الوجود البريطاني، ثم يتوقف مع السلطة القضائية للمحاكم البريطانية في الإمارات المتصالحة.
ويذكرُ الكتاب أُسس ومبادئ القوانين العرفية، والقُضاة العرفيون، وأنواع القضاء ومقار التحاكم، والإجراءات القضائية وتسوية النزاعات، ويحدد إجراءات التقاضي بالمثول أمام القاضي، والأدلة القضائية وهي: الاعتراف وهو سيد الأدلة، ثم الشهادة، فاليمين، واقتفاء الأثر، ومن الإجراءات القضائية أيضاً: ذكر مصادر الحكم والقضاء، ومصادر العرف في مجتمع الإمارات التقليدي.
ومن القضايا العامة وتسوية المنازعات يذكر الكتاب: قضايا توزيع مياه الأفلاج وحدود المزارع، وقضايا الإبل والغنم، ودعوى الدماء، وقضايا الغوص.
وحول القضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة يشير الكتاب إلى أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع في دولة الإمارات، وينقسم النظام القضائي حسب الدستور الاتحادي إلى: محكمة عليا، ومحاكم ابتدائية. ويشير إلى طرق اختيار القاضي وشروط تعيينه، والنيابة العامة ودورها وشروط التعيين فيها، ثم المحامون وشروط الاشتغال بالمحاماة، وواجباتهم، فالخبراء والكتبة والمحضرون والمترجمون.
ويلتفت الكتاب إلى دائرة القضاء في أبوظبي التي تأسست عام 1974، وإلى المحاكم، وهي: محكمة النقض، محكمة الاستئناف، المحاكم الابتدائية. ثم النيابات وهي: النيابة العامة، نيابة النقض، نيابة الاستئناف، النيابات الكلية. ويتابع الكتاب توضيح حال القضاء في إمارات الدولة.
ويسلط الضوء على وزارة العدل في عهد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (1971-2004) فيبين أنه – طيب الله ثراه- كان محباً للعدل، وقد عُرف عنه وقوفه إلى جانب الحقّ، والانتصاف للفقراء والمستضعفين، وقد تمثل ذلك في قضية السقاية حين حاول الأغنياء النيل من الفقراء واستغلال أموالهم للسيطرة على ملكية الماء.
ويبين الكتاب أن وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف في الدولة يضعون مقولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: "إن هدفنا في الحياة هو تحقيق العدالة والحق ومناصرة الضعيف على القوي" شعاراً نُصب أعينهم لن يحيدوا عنه أبداً بإذن الله. 

الكتاب: التطور التاريخي للقضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة بين الأعراف القبلية والأنظمة الوضعية
الناشر: الأرشيف الوطني، أبوظبي، 2018م، الطبعة الأولى، 428صفحة من القطع الكبير.
تأليف: الدكتور راشد محمد عبيد رشود